عبد الوهاب الشعراني

135

تنبيه المغترين

القارئ رحمه اللّه تعالى سرق رداؤه من على كتفه وهو في الصلاة فأخذه الناس من اللص وزجروه وطردوه ثم وضعوا الرداء على عنق يعقوب كل ذلك وهو لا يشعر . ( قلت ) وكذلك وقع في عصرنا لسيدي محمد بن عنان رحمه اللّه تعالى وهو يصلي في جامع البحر أنهم سرقوا ردائه من على عنقه وأخذ من اللص وضرب وطرد ووقعت ضجة عظيمة كل ذلك وهو لا يشعر وهو آخر من أدركناهم من أهل الخشوع رضي اللّه عنه ، وكان سعيد التنوخي رحمه اللّه تعالى إذا وقف يصلي سالت دموعه كالمطر ، وقد دخل عود في عين رابعة العدوية رحمة اللّه عليها وهي تصلي فما شعرت به حتى سلمت من الصلاة فقالت : انظروا هذه الخشونة التي في عيني فما نزعوا العود من عينيها إلا بمشقة من شدة ما ارتشق . وكان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا العلماء وأحدهم كان إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن حتى لا يقدر يشد بصره إلى شيء أو يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا وقد انهدم الجامع مرة ومسلم بن يسار رحمه اللّه يصلي فيه فخرج كل من في المسجد إلى السوق ووقعت ضجة كبيرة ومسلم لم يشعر ، وقد كان الذباب لم يزل يأكل في عين خلف بن أيوب رحمه اللّه تعالى وهو يصلي فلا يطرده عن نفسه ، فقيل له يوما في ذلك ، فقال : بلغني أن الفساق يتصبرون تحت سياط الحاكم إذا ضربوا البقال فلان صبور ويفتخرون بذلك وأنا قائم بين يدي رب العزة سبحانه فكيف أتحرك لذباب . وكان سميط بن عجلان رحمه اللّه تعالى يقول : كيف يدعي أحدكم الحضور مع اللّه تعالى في صلاته وهو يحس بقرصة البرغوث إذا قرصه واللّه لقد طعن أحدهم بالسنان وما درى حتى ساخت نفسه من خروج الدم ووقع على الأرض ، وقد كان أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه إذا حضر وقت الصلاة يصير يتغير ويتلون ويرتعد ، فإذا قيل له في ذلك يقول : أما تعلمون أنه وقت أمانة عرضها اللّه تعالى على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وقد حملتها أنا فلا أدري هل أحسنت ما حملت أم لا . وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : لا تصلوا خلف محب الدنيا ، وقد كان السلف إذا بلغهم أن أحدا تلفت في صلاته يذهبون إليه ولو في داره ويسألونه عن سبب ذلك لما كان عندهم رضي اللّه عنهم من معرفة عظمة اللّه تعالى ، وقد صلى عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى خلف إمام مرة فسمعه يلحن فقال له : لولا فضل الجماعة ما صليت خلفك لم تقرأ